سيد محمد طنطاوي

543

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام هنا للنفي والإنكار والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم . لقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَنْ يَفْقَهُوه ) * . والمراد بالنسيان : الترك والإهمال وعدم التفكر والتدبر في العواقب . أي : ولا أحد أشد ظلما وبغيا . من إنسان ذكره مذكر ووعظه بآيات اللَّه التي أنزلها على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فأعرض عنها دون أن يقبلها أو يتأملها . بل نبذها وراء ظهره ، ونسي ما قدمت يداه من السيئات والمعاصي ، نسيان ترك وإهمال واستخفاف . ثم بين - سبحانه - علة هذا الإعراض والنسيان فقال : * ( إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه وفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ) * . والأكنة : جمع كنان بمعنى غطاء والوقر الثقل والصمم . يقال فلان وقرت أذنه ، أي : ثقل سمعها وأصيبت بالصمم . أي : إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الظالمين المعرضين عن الحق ، أغطية تمنع قلوبهم عن وصول النور إليها ، وتحجبها عن فقه آياته - سبحانه - وجعلنا - أيضا - في آذانهم صمما وثقلا عن سماع ما ينفعهم وذلك يسبب استحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الكفر على الإيمان . * ( وإِنْ تَدْعُهُمْ ) * أيها الرسول الكريم * ( إِلَى الْهُدى ) * والرشد فلن ، يستجيبوا لك ، ولن * ( يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ) * إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، بسبب زيغ قلوبهم ، واستيلاء الكفر والجحود والعناد عليها . والضمير في قوله * ( أَنْ يَفْقَهُوه ) * يعود إلى الآيات ، وتذكيره وإفراده باعتبار المعنى ، إذ المراد منها القرآن الكريم . وجاءت الضمائر في أول الآية بالإفراد ، كما في قوله ، * ( ذُكِّرَ ) * و * ( فَأَعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداه ) * باعتبار لفظ « من » في قوله « ومن أظلم » وجاءت بعد ذلك بالجمع كما في قوله سبحانه - : * ( إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً . . ) * باعتبار المعنى . وهذا الأسلوب كثير في القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى - : ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّه ويَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، قَدْ أَحْسَنَ اللَّه لَه رِزْقاً . فالضمير في قوله : « يؤمن ويعمل ويدخله » جاء بصيغة الإفراد باعتبار لفظ « من » ، وفي قوله : خالِدِينَ فِيها جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى « من » . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته ، وعظيم فضله فقال : * ( ورَبُّكَ